سيد قطب

2570

في ظلال القرآن

دورات الأرض الدائبة التي لا يصيبها الكلال . وهي تمر بالبشر وهم غافلون عما فيها من دلالة على تدبير اللّه ، الذي لا يغفل لحظة ولا ينام . ثم ظاهرة الرياح المبشرة بالمطر وما يبثه من حياء : « وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً » . . والحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة ، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض . ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه ، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة اللّه الممثلة فيه إدراكا صحيحا كاملا . وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه ، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب ، ويستبشرون بها ؛ ويحسون فيها رحمة اللّه - إن كانوا ممن شرح اللّه صدورهم للإيمان . والتعبير يبرز معنى الطهارة والتطهير : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً » وهو بصدد ما في الماء من حياة . « لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً » فيلقي على الحياة ظلا خاصا . ظل الطهارة . فاللّه سبحانه أراد الحياة طاهرة نقية وهو يغسل وجه الأرض بالماء الطهور الذي ينشئ الحياة في الموات ويسقي الأناسي والأنعام . وعند هذا المقطع من استعراض المشاهد الكونية يلتفت إلى القرآن النازل من السماء كذلك لتطهير القلوب والأرواح ؛ وكيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للأرواح : « وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ « 1 » بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ، وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً . فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً » . . « وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا » . . فعرضناه عليهم في صور شتى ، وأساليب متعددة ، ولفتات متنوعة ؛ وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم ، وأرواحهم وأذهانهم ؛ ودخلنا عليهم به من كل باب من أبواب نفوسهم ، وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم . . « لِيَذَّكَّرُوا » . . فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر . والحقيقة التي يحاول القرآن ردهم إليها مركوزة في فطرتهم ، أنساهم إياها الهوى الذي اتخذوا منه إلها . . « فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً » . ومهمة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إذن ضخمة شاقة ؛ وهو يواجه البشرية كلها وأكثرها أضله الهوى ، وأبى إلا الكفر ودلائل الإيمان حاضرة . . « وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً » . . فتوزع المشقة ، وتخف المهمة . ولكن اللّه اختار لها عبدا واحدا ، هو خاتم الرسل ؛ وكلفه إنذار القرى

--> ( 1 ) بعض المفسرين يرجع الضمير في « صرفناه » إلى الماء بوصفه أقرب مذكور في العبارة . ولأن القرآن لم يذكر في هذا المقام . ولكننا نرجح أن الضمير عائد على القرآن ، لأنه لا شك في أن قوله : « وجاهدهم به » يعنى القرآن فهو لا يجاهدهم بالماء . والذي يجعل الضمير الثاني راجعا إلى القرآن يجعل الضمير الأول كذلك . إنما هي التفاتة من التفاتات القرآن الكثيرة بمناسبة مضمرة ملحوظة . هذه المناسبة هنا هي إنزال الماء الطهور المحيي ، التي ترد الذهن إلى إنزال القرآن المطهر المحيي الذي تدور السورة كلها عليه .